المغرب مختبر للتعاون بين بلدان الجنوب: ندوة كافراد العلمية الدولية متعددة التخصصات في خدمة التنمية الإفريقية

احتضن مقر كافراد بالرباط، يوم 5 دجنبر 2025، أشغال الندوة العلمية الدولية متعددة التخصصات لـكافراد، المنظمة تحت شعار: “المغرب، مختبر للتعاون بين بلدان الجنوب: رؤية ملكية لتنمية مشتركة وشاملة في إفريقيا”.
وشكّل هذا الحدث القاري البارز فضاءً للنقاش والتفكير الاستراتيجي، حيث عرف مشاركة وازنة ضمّت سفراء ومستشارين من البعثات الدبلوماسية الإفريقية المعتمدة بالرباط، إلى جانب خبراء وأكاديميين وباحثين وطلبة وقادة مؤسسات. وتركزت النقاشات حول النموذج التنموي المغربي ودوره في تعزيز التعاون جنوب–جنوب، واستكشاف آفاق الشراكات الإفريقية في مختلف المجالات.
الافتتاح الرسمي
افتتحت أشغال الندوة معالي الأستاذة الدكتورة أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة لدى رئيس الحكومة المكلفة بالتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، ورئيسة مجلس إدارة كافراد. وأكدت معاليها، في كلمتها الافتتاحية، على الأهمية الاستراتيجية للندوة وراهنية موضوعها، مبرزة أن التعاون بين بلدان الجنوب يشكل أحد الركائز الأساسية للسياسة الخارجية للمملكة المغربية، انسجامًا مع الرؤية الملكية السامية.
كما سلطت الضوء على الجهود التي يبذلها المغرب من أجل توطيد الشراكات الإفريقية، وتحديث الإدارة العمومية، وتسريع وتيرة التحول الرقمي لخدمة المواطن وتعزيز الحكامة. وأشارت في هذا السياق إلى تنامي الاهتمام بالاقتصاد الرقمي، تماشياً مع الرسالة الملكية السامية الصادرة في يوليوز 2022، مؤكدة طموح المملكة في أن تصبح قطبًا عربيًا إفريقيًا للتحول الرقمي، بما يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030. واختتمت كلمتها بتوجيه الشكر إلى المدير العام لـكافراد، وأطر المركز، وكافة المشاركين على مساهماتهم القيمة.
كلمة المدير العام لـكافراد
من جهته، أكد الدكتور كوفي ديودوني أسوفي، المدير العام لـكافراد، أن هذه الندوة تمثل محطة مفصلية في مسار المركز، وتتقاطع مع خطاب 31 أكتوبر 2025، الذي شكّل منعطفًا تاريخيًا في قضية الصحراء المغربية، وفي المقاربة الدينامية التي يعتمدها المغرب لتعزيز التعاون بين بلدان الجنوب.
كما أعلن عن قرب إصدار كتاب جماعي لفائدة الدول الأعضاء، مخصص للنموذج التنموي المغربي، مبرزًا دور كافراد كمنصة إفريقية جامعة للتفكير الاستراتيجي، وتبادل الخبرات، وتوليد الأفكار المبتكرة في خدمة التنمية.
أبرز العروض العلمية
الصحراء المغربية: مستجدات وتحديات تنزيل مخطط الحكم الذاتي
قدم الأستاذ الدكتور موسى المالكي عرضًا شيقا استعرض فيه المحطات التاريخية الأساسية التي كرست وحدة التراب المغربي، مبرزًا أن مبادرة الحكم الذاتي تندرج ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى، مدعومة بالدبلوماسية الملكية، وافتتاح عدد متزايد من القنصليات في الأقاليم الجنوبية، وإقرار يوم وطني للوحدة. كما تم التأكيد على مواقف مجلس الأمن الداعية إلى دعم الجهود الرامية إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
تيسير ولوج دول الساحل إلى الواجهة البحرية: من التصور إلى التنفيذ
سلط البروفيسور الدكتور جيروم أكينديلي الضوء على الدور المحوري الذي يضطلع به المغرب في مشاريع ربط المناطق الداخلية لإفريقيا بالبحر، مبرزًا الأهمية الاستراتيجية للطريق السريع الساحلي، وتطوير ميناء الداخلة، والرؤية الاستشرافية طويلة الأمد التي تعتمدها المملكة. وأكد أن هذه المشاريع من شأنها تعزيز اندماج دول الساحل في سلاسل القيمة العالمية.
عصر المحيطات: إدماج الأنشطة البحرية في التنمية الإقليمية من أجل مستقبل مستدام
تناول الأستاذ الحسين الشلاوي التحولات المتسارعة في الاقتصاد البحري العالمي، مشددًا على ضرورة استثمار إفريقيا بشكل أكبر في بنياتها المينائية. وأبرز المكانة الريادية لميناء طنجة المتوسط، المصنف ضمن أكثر الموانئ كفاءة عالميًا، إضافة إلى الدور الاستراتيجي لميناءي الناظور والداخلة في تعزيز الدينامية الأطلسية الإفريقية.
البعد البحري الاستراتيجي للمغرب في خدمة التنمية الإقليمية بشمال غرب إفريقيا
ركز عرض الأستاذ موسى المالكي على الأهمية الجيوسياسية للمجال البحري، والتحديات المرتبطة بمضيق جبل طارق، والفرص التي يتيحها قطاع صناعة وبناء السفن بالمغرب. كما شدد على ضرورة إعادة بناء أسطول وطني تنافسي، وتعزيز إدماج الطاقات المتجددة ضمن الاستراتيجية البحرية للمملكة.
الاستدامة في صميم المبادرة الاستراتيجية لإفريقيا الأطلسية: رهانات وتحديات
أكد السيد إدواردو سيلفا دا كروز فونسيكا، في مداخلته، على الأهمية البالغة للاستغلال الأمثل للمجالات البحرية من قبل الدول الإفريقية، مجددًا التأكيد على الرؤية الملكية للاقتصاد الأزرق، ومبرزًا أن هذا الأخير لا يُعد خيارًا بيئيًا ثانويًا، بل يمثل ضرورة استراتيجية للتنمية المستدامة والسيادة الاقتصادية.
كما توقف عند جملة من التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والبيئية التي تعرقل تنزيل هذه المبادرة، مشددًا في المقابل على ما تحمله من إمكانات تحويلية كبرى قادرة على إحداث نقلة نوعية في مسار التنمية بالقارة الإفريقية.
دور البنية التحتية في تنمية إفريقيا الأطلسية
قدمت السيدة زينة أكوين عرضًا تناول الدور المحوري للبنية التحتية، لاسيما الموانئ، وشبكات الطرق، وكذا البنية الرقمية، في تعزيز التكامل الإقليمي ورفع مستوى التنافسية الاقتصادية. واستعرضت أنماط البنية التحتية السائدة في الفضاء الأطلسي الإفريقي، إلى جانب نتائج مؤشر الذكاء الاصطناعي والتنمية (AIDI)مبرزةً مكامن الخلل التي تستدعي المعالجة، وكذا الفرص الواعدة التي أتاحتها المبادرة الملكية منذ إطلاقها في نونبر 2023.
التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني
واختتمت العروض التقديمية بمداخلة للمدير العام لكافراد ركز فيها على التحديات العميقة التي يطرحها الأمن السيبراني في سياق عالمي تتقاطع فيه الحدود بين الفضاءين المادي والرقمي. وأبرز أن الجريمة الإلكترونية أضحت نشاطًا عابرًا للحدود وصناعة عالمية متنامية، ما يستوجب من الدول تعزيز منظوماتها القانونية، وتطوير قدراتها الدفاعية السيبرانية، والاستثمار في تكوين قضاة وخبراء متخصصين.
كما استعرض القواعد العشر الأساسية للأمن الرقمي، مؤكدًا أن الأمن السيبراني بات عنصرًا محوريًا من عناصر السيادة الوطنية في العصر الرقمي.
الكلمة الختامية وتوقيع اتفاقيات الشراكة
اختُتمت أشغال الندوة بكلمة للمدير العام، شدد فيها على ضرورة تسريع وتيرة التحول في إفريقيا، وتعزيز تنمية الكفاءات، وتكريس نموذج فعال للتعاون بين بلدان الجنوب، بما يستجيب لتحديات التنمية الراهنة والمستقبلية.
وعلى هامش اختتام الندوة، جرى توقيع ثلاث اتفاقيات شراكة، شملت الأكاديمية الإفريقية للاستشارات والهندسة، ممثلة بالبروفيسور جيروم أكينديلي؛ واتحاد الطلبة والمتدربين الأفارقة بالمغرب (CESAM)ممثلاً برئيسه السيد أمين شيتيما؛ وشركة AL Sens Consulting للاستشارات والتكوين، ممثلة بمديرتها التنفيذية السيدة آسيا الجي. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى تعزيز التعاون المؤسسي، وتنمية القدرات والمهارات الإفريقية، وتشجيع المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة داخل القارة.
ومن خلال تنظيم هذه الندوة، يجدد المركز الإفريقي للتكوين والبحث الإداري للإنماء (كافراد) تأكيد دوره الاستراتيجي كفضاء إفريقي للتفكير الجماعي، والتعاون، وبناء القدرات، بما يخدم تحديث الإدارات العمومية الإفريقية، ويدعم التوجهات الرامية إلى ترسيخ مكانة المغرب كفاعل محوري وشريك ملتزم في بناء إفريقيا أكثر قوةً وتكاملًا وتطلعًا نحو المستقبل.





